مجمع البحوث الاسلامية

589

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

قول : إن شاء اللّه ، بعد تمام حديثه مع نفسه ، تلك العبارة الّتي تبيّن توكّل الإنسان على اللّه سبحانه وتعالى ، في كلّ الأمور والأحوال ، فلم يرزق سوى ولد ميّت ناقص الخلقة ، جيء به وألقي على كرسيّ سليمان عليه السّلام . غرق سليمان عليه السّلام - هنا - في تفكير عميق ، وتألّم ، لكونه غفل عن اللّه لحظة واحدة ، واعتمد على قواه الذّاتيّة ، فتاب إلى اللّه وعاد إليه . . . وهناك تفسير آخر يمكن طرحه بعد التّفسير الأوّل ، وهو أنّ اللّه سبحانه وتعالى امتحن سليمان بمرض شديد ؛ بحيث طرحه على كرسيّه كجسد بلا روح من شدّة المرض ، وعبارة « جسد بلا روح » مألوفة ودارجة في اللّغة العربيّة ؛ إذ تطلق على الإنسان الضّعيف والعليل . وفي نهاية الأمر تاب سليمان إلى اللّه ، وأعاد اللّه إليه صحّته ، وعاد كما كان قبل مرضه ، والمراد من ( أناب ) هنا عودة الصّحّة والعافية إليه . بالطّبع هناك إشكال ولد على هذا التّفسير ؛ إذ أنّ عبارة ( ألقينا ) كان يجب أن تأتي بصورة ( ألقيناه ) حتّى تتناسب مع التّفسير المذكور أعلاه ، يعني أنّا ألقينا سليمان على كرسيّه جسدا بلا روح . في حين أنّ هذه العبارة لم ترد في الآية بتلك الصّورة ، وإنّ تقديرها مخالف للظّاهر . عبارة ( أناب ) في هذا التّفسير جاءت بمعنى عودة الصّحّة والعافية إليه ، وهذا أيضا مخالف للظّاهر . أمّا إذا اعتبرنا أنّ معنى ( أناب ) هو التّوبة والعودة إلى اللّه ، فإنّها لا تلحق أيّ ضرر بالتّفسير ، ولهذا فإنّ الشّيء الوحيد المخالف لظاهر الآية هنا ، هو حذف ضمير عبارة ( ألقيناه ) . « القصص الكاذبة والقبيحة الّتي تحدّثت عن فقدان خاتم سليمان ، وعثور أحد الشّياطين عليه ، وجلوس ذلك الشّيطان على عرش سليمان - كما ورد في بعض الكتب الّتي لا يستبعد أن يكون مصدرها هو كتاب « التّلمود » اليهوديّ الملئ بالخرافات الإسرائيليّة - هذه القصص لا تتناسب مع العقل والمنطق . وهذه القصص - في حقيقة الأمر - إنّما هي دليل انحطاط أفكار مبتدعيها ، ولهذا فإنّ المحقّقين المسلمين أينما ذكروها أعلنوا بصراحة خلوّها من الصّحّة ، وكونها مجرّد اختلاقات . ( 14 : 459 ) الأصول اللّغويّة 1 - الأصل في هذه المادّة : الجسد ، وهو جسم الإنسان خاصّة ، يقال منه : تجسّد ، كما يقال : تجسّم ، والجمع : أجساد . والمجسد والمجسد : الثّوب الّذي يلي جسد المرأة فتعرق فيه ، يقال : أجسد الثّوب ، أي ألزق بالجسد ، والجمع : مجاسد . والجسد والجسد والجاسد والجسيد : الدّم اليابس ، لأنّه عماد الجسم ونظامه ، فلمّا يبس قاربه في الشّدّة ؛ يقال : جسد به الدّم يجسد جسدا ، أي لصق به . والجساد : الزّعفران والعصفر ونحوهما من الصّبغ الأحمر والأصفر ، والجمع : مجاسد ، وهو تشبيه بحمرة الدّم وجماده إذا يبس ، يقال : قد أجسد ثوب فلان إجسادا فهو مجسد ، أي صبغ ، وثوب مجسّد : مشبّع بالزّعفران أو العصفر . والجساد : وجع يأخذ في البطن ، كأنّه يستوعب